إن الهجرة ظاهرة حديثة على مجتمعنا العراقي فقد كانت بصورة ضيقة جدا في العقود السابقة لحكم البعث ومقـتصرة على أبناء العوائل الميسورة والعريقة طلبا للعلم والدرس، وممن سنحت لهم ضربة الحظ من غير الأغنياء بالحصول على بعثات أو زمالات دراسية على حساب الحكومة العراقية أو الدول المضيفة
. لكن المسالة بدأت بتجاوز الخطوط الحمراء عندما استلمت عصابات البعث الحكم وربما قبلها بقليل حين ظهرت في العراق ظاهرة محاربة واختفاء العقول الفذة العلمية والأدبية حين بدأت تلك العصابات البغيضة بإطلاق اكبر حملة تصفيات جسدية لكل من كان لديه ولو بادرة فكرية مخالفة للفكر ألبعثي وهنا بدأ نوع جديد من الهجرة هربا من الظلم والفاقة والقتل وبدأت تطرق أسماعنا مفردات جديدة مثل اللجوء الإنساني واللجوء السياسي لتضاف إلى قاموس المجتمع العراقي الذي بدأ باختبار أنواع مختلفة من الهموم لم يكن آخرها الهجرة.
وبدأت تظهر هنا وهناك في مختلف أنحاء العالم كفاءات وقابليات عراقية لو أتيح لها التواجد في بلدها لرفعت من شأنه إلى صواف الدول المتطورة لقد كانت (فترة صدام ) تلك الفترة الحالكة السواد في تاريخ العراق نقطة تحول فارقة في حياة الجميع وسوف تبقى أثارها لأجيال إلا إذا ما تضافرت الجهود للمشاركة في إزالتها شيئا فشيئا عن كاهل العراق والعراقيين.
الثروة المهاجرة
مشكلتنا الأساسية اليوم ليست في خطر الهجرة العامة من العراق فقط وإنما هي في هجرة العقول ولن نعطي لهذه الكلمات معنى محدد فهي ليست محددة بطبقة معينة من البشر وإنما هي كل كفاءة علمية أو أدبية أو مهنية خصص لها العراق جزء من ثروته المادية لبنائها وخسارتها تعني هدرا لهذه الثروة .
إن استهداف ذوي الكفاءات قتلا واختطافا" أو هجرتهم تحت طائلة التهديد هي تفاصيل الوضع الذي تعيشه طبقة مهمة كان يفترض بها إن تتفرغ كليا لبناء مستقبل البلاد وإصلاح كم الدمار الهائل الذي خلفته تلك الفترة المخجلة من تاريخ العراق لكنها ومع شديد الأسف صارت مثقلة بهموم كبيرة قد تشغلها عن غير قصد عن مزاولة دورها المقرر المنشود.وذلك أدى إلى إيجاد فراغ كبير لا يمكننا أن نحصي سلبياته على البلد.
إن حاجتنا ماسة لكراس التدريسي ومبضع الطبيب ومعادلة العالم وخارطة المهندس وقلم الكاتب وريشة الفنان وحرفة الحداد والنجار والدول الأجنبية لم تلي جهدا في الحصول على هؤلاء مجانا حين رحلوا بكل علومهم لخدمة الدول التي احتضنتهم وتعاملت معهم كثروة بشرية مجانية جاهزة للاستفادة منها. ولو عرفت الدول مقدار الهدر المادي في خسارة هذه الثروة لما تردد احدنا في حمايتهم وتوفير ما يحتاجونه للبقاء في بلدهم بكل السبل وهذا ما يدفعنا إلى إقامة المؤتمرات والندوات ورفع شعار استعادة هذه العقول المهاجرة مهما كان الثمن أو على الأقل الاستفادة منهم من مواقعهم.
في زيارة ميدانية إلى جامعة بغداد لم نستطع الحصول على أعداد واضحة من أساتذة الجامعة الذين هاجروا في الفترة التي سبقت سقوط الطاغية ولكننا استطعنا الحصول على أعداد المستقيلين منهم بعد السقوط أي بعد سنة 2003والذي يبلغ (606) أستاذ جامعي وهذا عدد ليس بالقليل بالنسبة إلى العدد الكلي لأساتذة الجامعة البالغ( 7700 ) , ) والكارثة نفسها تمتد إلى قطاع الأطباء والباحثين وغيرهم حيث نجد أسماء أعلام الأطباء قد اختفت إما بسبب قتلهم أو هجرتهم أو تهجيرهم قسرا,وهذا طبعا فيض من غيظ . ولعل هذه الإشارة كافية للمستطلع إن يعرف إن الواقع اليوم لن يختلف بأي حال من الأحوال عن واقع الأمس المرير وان الحلول الوضعية لم توقف هذا النزف الخطير عن هذه الطبقة.
الأسباب
1. إن الدول النامية لا تميز في كثير من الأحيان بين المتميز وغيره حيث توجد الأنظمة الجامدة التي تعامل الجميع بنفس المقياس ولا تعطي للمتميز ما يشجعه على مزيد من البذل والعطاء.
2. عدم المبالاة من قبل اصحاب القرار بما يطرحه المتميزون من مشاريع وأفكار بل وحتى بهم شخصيا.
3. وكم من العلماء لدينا من لم يجد في موقعه العلمي ما يعينه على البحث والدرس والأداء الصحيح والمشاركة الفاعلة في الرأي والخبرة لقلة الإمكانات أو لعدم وجود النظائر لمجال عمله وتخصصه فواجه خيبة الأمل لتقييد طموحه العلمي فاستسلم لفكرة الرحيل .
4. من أهم أسباب الهجرة الإحباط وهو أن يكون الأقل كفاءة هو المسئول عن تسيير دفة العمل والتخطيط في المراكز العلمية مثل الجامعات ومراكز الأبحاث وغيرها فمثل هؤلاء تجد أن لديهم مركب نقص ويعرفون في دواخل أنفسهم مستواهم لذلك يعتبرون كل متميز عدواً لهم لان وجوده يظهر نقصهم إمام الآخرين.
5. إن أكثر العلماء المهاجرين ينتمون إلى دول غير مستقرة سياسياً أو إلى دول فقيرة جداً ناهيك عن وجود نزاعات عرقية أو طائفية أو مذهبية فالاستقرار السياسي والوضع الاقتصادي الجيد من ابرز مقومات التنمية بما في ذلك المحافظة على العقول المتميزة في مختلف التخصصات العلمية والأدبية وغيرها
6. لا زالت المحسوبية عنصراً مدمرا لكثير من الطموح ومن المشاكل المستحدثة التي بدأت تظهر لنا في العراق بالذات وفي المنطقة العربية( بصورة اقل نسبيا )هي مشكلة المحاصصة الطائفية التي أودت بكثير من أمال الإصلاح وأطاحت بالكثير من المتمسكين ببلادهم إلى هاوية الاستسلام والهروب فكم كانت للأحزاب والجمعيات المتنفذة سطوة فاقت بكثير سطوة وسلطة العلم بحيث يقف العالم أو الباحث متحيرا لأي جهة عليه إن يدين بالولاء حتى وان كان هذا الولاء زائفا في سبيل الحصول على فيزه مرور تسمح له بالدخول من خلالها إلى عالمه الخاص.
7. ازدياد عدد الخريجين من الجامعات في حين لا تتوفر بالمقابل مجالات عمل لاستيعاب كفاءاتهم وخبراتهم مما اجبر الكثير من المتميزين بالذات على الهجرة من بلادهم وقد شهد العقدان الماضيان ظهور سوق الهجرة العالمي للكفاءات لكن المنافسة الحقيقية تدور حول الأشخاص الذين يتمتعون بكفاءات عالية.
8. وتطول قائمة الأسباب لو حاولنا إضافة الإرهاب ومحاولاته الحثيثة لتدمير البنى التحتية المادية والبشرية إلى القائمة .
الحلول
إن حل مشكلة الهجرة لن يكون شيئا هينا والتفكير بحجم الخسارة لن يصيبنا إلا بالذعر وهنا صار علينا إن نتعامل مع منطق الواقع بحكمة وروية. ولو نضرنا إلى خارطة الهجرة التي تتسع يوما بعد أخر لوجدنا فيها شيئا من الايجابية وهنا يمكننا إن نحمل هذا الجانب محمل العمل لاصلاح جزء من الدمار الذي سببه الفراغ الذي خلفه النخبة من الكفاءات برحيلهم . والحلول هي:-
1. مشروع خدمة العراق من الخارج:-
نحن في صدد وضع مشروع إنساني واجتماعي واقتصادي ونفسي وعلمي يحاول معالجة موضوع الهجرة هذا الجرح النازف الذي يثخن جسد العراق، ليس
من ناحية المحافظة على هذه الثروة البشرية الهائلة التي تنزح إلى الخارج فقط بل وحتى لمعالجة آثارها النفسية المفزعة التي تستفـز الأسى في نفوس المتأثرين بها مباشرة من مهاجرين وعوائلهم والمتعاملين معهم ، ومن شعب يحاول التشبث بالحياة وصياغة مفردات جديدة لحياته غير التي اجبر على عيشها واختبارها بأقسى أشكالها خلال العقود الأخيرة,علما انه لايمكن لهذا النوع من المشاريع إن يكون نافعا إلا في حال وضعه حيز العمل للحصول على ثمراته التي لن تكون على المدى القريب طبعا. ولغرض إيضاح فكرة المشروع نوجزه بالنقاط التالية:-
• معرفة كل من يرغب بالتعاون معنا من العقول المهاجرة لتوظيف علمهم وخبراتهم وإمكانياتهم العلمية والمادية وما يوفره لهم العالم (وخصوصا العالم الغربي أي المهاجرين إلى الدول الأوربية والولايات المتحدة وكندا وغيرها من الدول المتطورة التي وصلت إلى مراكز متقدمة في المعلوماتية والمهارة العلمية العالية) وذلك من خلال عقد المؤتمرات والندوات التعريفية بمشروع خدمة العراق من الخارج وتوضيح الهدف الأساسي من المشروع والذي يعتمد أولا على تفهم الأسباب الإنسانية والنفسية والاجتماعية التي تمنع العديد من الكفاءات من العودة حاليا في ظروف العراق الراهنة وثانيا على حاجة البلد للخبرات والمعلوماتية المتطورة التي حرم منها العراق والعراقيين في الظروف الراهنة والسابقة من حصار وحروب مرهقة وسياسات عقيمة نحن في غنى عن الدخول في تفاصيلها في هذا الباب والتي جعلت العراق بحاجة ماسة للكفاءات ذات الإمكانات العليا لترميم التلف الحاصل وهذه الندوات التعريفية يجب إن تتفرع إلى شقين:-
• اولا" :- ندوات و مؤتمرات في الداخل تحاول جمع شبكة من المتعاملين معنا تعمل على رصف الجهود بغية تحديد أماكن الخلل في العراق.
• ثانيا":- ندوات تعريفية ومؤتمرات تعقد بصورة دورية للمغتربين العراقيين عن طريق السفارات والممثليات العراقية وفي جميع أماكن تمركز الجاليات العراقية وطرح المشروع عليهم وشرح أهدافه السامية وكم الفائدة التي ستعود على الطرفين. وقبول فكرة الاستفادة من الكفاءات والخبرات وهي في دول اغترابها دون أن نطلب منها ترك أماكنها التي سعت إلى تثبيت نفسها فيها وعانت ماعانته خلال سنوات عجاف طويلة حتى أثبتت جدارتها.
• ثالثا":- إن هذه الندوات ستجمع لنا معلومات موسعة عن أعداد الكفاءات العراقية في دول المهجر وعن مستوياتهم العلمية وتخصصاتهم وحتى مستوياتهم المعاشية وذلك سيجعلنا قادرين أكثر على تحديد الحاجات التي نحتاجها ووضع سبل الاستفادة من المهاجرين بطرق أوضح.
• إجراء عملية توأمة بين طرفي المعادلة(في الداخل والخارج) بان نجري عملية تعارف بينهما من ناحية علمية بحيث يقوم المغترب بطرح مشاريعه علينا (كوزارة المهجرين والمهاجرين ) ونحن بدورنا نقوم بطرح المشاريع على الجهات المختصة (في الوزارات أو دوائر الدولة ذات الاختصاص) لدراسته من قبل أشخاص متخصصين والمصادقة على الاستفادة منه وتقييمه ووضع الأثمان المناسبة له ماديا أو معنويا وان وضع هكذا أثمان يعزز دورنا تجاه المغترب لحثه على وضع أفضل الأفكار حيز العرض ويؤكد على الجهة المستفيدة من المشاريع إن تضعها حيز التنفيذ لأنها مدفوعة الثمن مقدما لا أن تركن على الرف.
• إن الزيارات الميدانية التي سنقوم بها إلى دوائر الدولة والى منظمات المجتمع المدني ستكون بمثابة عملية أرشفة وتحديد لأبعاد هذه العملية وتوسيع لرؤيتنا من الناحية العلمية وتحديد لمستوى الخلل الذي تعانيه الدوائر والوزارات والجامعات وغيرها بحيث نستطيع من خلالها معرفة الحاجة الحقيقية لها وطرحها على المغتربين.وكذلك طرح فكرة الامتيازات
• تحديد فريق عمل مختص بدراسة المشاريع المعروضة على الوزارة قبل طرحها للعمل بها لتحديد جدوى هذه المشاريع طبعا بالاستعانة بالجهات ذات العلاقة بالموضوع وهذا يتطلب إيجاد قسم مختص بالعقول المهاجرة لغرض العمل على هذا المشروع لأنه سيكون بصفة مستمرة.
• الاتصال بوزارة التجارة ووزارة المالية لغرض دعم المشاريع الكبرى والتي تعتمد على ميزانيات ضخمة وتسهيل مهمة الأفراد المختصين بالاتصال بالمغتربين لطرح أبعاد وميزانيات المشاريع والمساعدة في وضع دراسة جدوى لها.
2- بـالنسبة للعقول التدريسية المهاجرة من أساتذة جامعات وتدريسيين والأفراد ذوي الخبرة العالية في إلقاء المحاضرات من الأطباء والباحثين والمهندسين وغيرهم نعمل على خلق طريقة للعمل بيننا وبينهم وذلك بفتح باب إلقاءهم للمحاضرات على أساتذة وطلبة الجامعات وبطريقتين:-
• الأولى:- الحضور الشخصي لملقي المحاضرات تحت حماية محكمة مع إمكانية توفير وسائل تنقلهم بطريقة آمنة من أماكن سكناهم إلى أماكن إلقاءهم للمحاضرات وبالعكس.
• الثانية:- إلقاء المحاضرات عن طريق (Inter-conference)على المتلقين من الطلبة والتخصصيين, وهو إلقاء المحاضرة عبر الانترنت من خلال شاشة عرض .
حلول أخرى
1. العمل على بناء مجمعات سكنية آمنة للعقول والكفاءات العراقية الموجودة في الداخل حاليا أو التي نعمل على إعادتها قريبة أو في داخل مكان مزاولتهم لإعمالهم وتوفير وسائل الحياة الكريمة لهم ولعوائهم.
2. محاربة عمليات الابتزاز الذي تنتهجه العصابات المنظمة والتكفيرية من اختطاف وتسليب وسرقة لأموال هؤلاء ولممتلكاتهم التي عملوا على تكوينها خلال سنوات .
3. تحسين الوضع الاقتصادي للطبقات العلمية حيث إن اقتصاد العراق مازال متعثرا يعاني من هفوات شديدة لم ولن يامن لها أي شخص عامل في العراق حاليا وهذا سبب مهم من أسباب الهجرة الحالية.
4. إن علينا تسليط الضوء على الكفاءات المستقلة العائدة التي لاتنتمي إلى الأحزاب والاتجاهات السياسية التي تدعم مواقفها عند المطالبة بالوظيفة أو مستحقات أخرى.
5. التعامل مع الهجرة كفكرة ليست سيئة بالكامل ومحاولة التعامل مع الجوانب الايجابية لوجود المهاجرين العراقيين في الخارج باعتبارهم رافد علمي مهم وهم أيضا عنصر نافع في حوار الحضارات ومصدر من مصادر التمويل المالي للبلد فيما لو استغل استغلالا صحيحا.
التوصيات
- نشر فكرة المشروع الأساسية المذكورة أعلاه إلى أقصى مايمكن للحصول على أقصى استفادة منه ومتابعته خصوصا وانه خطة عمل لاتتوقف على حد الاكتفاء بنشره وإنما هو مشروع عمل علينا الاستمرار فيه حتى الحصول على النتائج المرجوة منه.
- تنظيم مؤتمرات للمغتربين وطلب مساعدتهم وخبراتهم سواء في ميدان نقل التكنولوجيا أو المشاركة في تنفيذ المشروعات وإعادة الأعمار ،ومؤتمرات داخلية لغرض الحصول على معلومات صحيحة وواضحة عن نقاط الخلل التي تحتاج إلى الدعم من الخارج ولتكوين قاعدة دعم قوية وعريضة للمشروع .
- إجراء مسح شامل للكفاءات العراقية المهاجرة بهدف التعرف على حجمها ومواقعها وميادين اختصاصها وارتباطاتها وظروف عملها وإمكانياتها العلمية والمادية.
- وضع البرامج الوطنية لمواجهة هجرة العقول والمحافظة عليها، وإنشاء مراكز للبحوث التنموية والعلمية، والتعاون مع الهيئات الدولية والإقليمية المعنية لإصدار الوثائق والأنظمة التي تنظم أوضاع المهاجرين من العلماء وأصحاب الكفاءات وهذه الفكرة تخص العراقيين وغيرهم من الكفاءات في المنطقة العربية ودول العالم الثالث.
- والاهتمام بالمشاكل الوضعية التي ظهرت في العراق في الآونة الأخيرة ووجوب معالجتها بالكامل ومنها الإرهاب والتدهور الاقتصادي والعلمي والاجتماعي.
- الاهتمام بإقامة مشروعات ومراكز علمية لتكوين كوادر وكفاءات عالية ، واجتذاب العقول المهاجرة للإشراف على هذه المراكز والإسهام المباشر في أعمالها وأنشطتها.
الخلاصة
علينا الانتباه إلى إن شراهة الغرب تزداد لجذب الكفاءات من العقول العلمية التي تتقدم بإمكانياتها الذهنية المتفردة على سلم التقدم في شتى بلدان العالم . في حين إننا نزداد تفريطا وخضوعا لواقع الخسارة فمتى ياترى نستطيع إن نضع حدا لهذا الانهيار .